أبو علي سينا
297
القانون في الطب ( طبع بيروت )
في الحرارة ، ولا زيادة في البرودة ، فإنها قى تخثر الأشياء الأرضية التي فيها ، وأشياء لكثرة المائية والهوائية فيها إذا تخلخلا ، وكثيراً ما يعرض للهوائية أن تبرد فتستحيل مائية ، ويتخلخل المركّب ويكون بارداً ، وكثيراً ما تخلخل المائية الباردة لنارية تغلي فيها وتحيلها هوائية وتخثّرها ، كما يعرض للمني من الخثورة . فإذا انفصل عنه البخار الناري رق ، ولا تمنع الأرضية أن يكون معها نارية مفرطة ، فيجوز أن يكون القسم الأول شديد الحرارة ، ولا يمنع المائية أن يداخلها هوائية لا تقهر قوتها ، فيكون القسم الثاني شديد البرودة ، أو نارية تقهره ، فيكون شديد الحرارة . هذا وأما القوانين الآخرى ، فيجب أن يعلم الأطباء منها شيئاً واحداً أنه لا يمكن أن يكون الطعوم الحلوة والمرة والحريفة ، إلا بجوهر حار ، ولا القابضة والحامضة والعفصة ، إلا بجوهر بارد . وكذلك الروائح الذكية الحادة لا تكون إلا بجوهر حار ، والألوان البيض في الأجسام المنعقدة التي فيها رطوبة لا تكون إلا بجوهر بارد ، وفي الأجسام التي فيها يبوسة وانفراك لا تكون إلا بجوهر حار ، والأسود في الأمرين بالضد ، فإن البرد يبيض الرطب ويسوِّد اليابس والحر يسود الرطب ويبض اليابس وأن هذا حقّ واجب . ولكن ههنا سبب اخر لأجل ذلك قد تختلف هذه الاستدلالات ، وخصوصا في الرائحة واللون ، وذلك أنا قد بينا أن الأجسام الدوائية قد تمتزج من عناصر متضادة تارة امتزاجاً أولياً ، وتارة امتزاجاً ليس أولياً ، بل الأحرى أن يسقى مزاجاً ثانياً ، فيجوز في هذا الامتزاج الثاني أن يكون أحد العنصرين قد حصل له مزاج استحقّ به لوناً ، أو رائحة ، أو طعماً ، وحصل له ذلك الذي استحقّه . وكما أن العنصر الآخر قد حصل له مزاج مضاد مخالف لذلك المزاج ، يجوز أن يكون يستحق به لوناً مضاداً لذلك اللون أو رائحة أو طعماً مضادين للأول ، ويجوز أن لا يستحقّ به ذلك ، فإن هذا غير مضبوط وغير معلوم لها الحدود التي منها يستحقّ المزاج الألوان والروائح والطعوم ، بل إن قال الإنسان في هذا شيئاً ، فإنما يقوله على التخمين ، فإن كان قد استحقّ لوناً مقابلًا له ، ثم كانا متساويي الكمية حصل في الممتزج الثاني لون مركّب من اللونين . وأن كانا مختلفين حصل في الممتزج الثاني لون أميل إلى أحد اللونين ، فإن لم يستحقّ الثاني لوناً البتة ، وكذلك رائحة أو طعماً وكانا متساويين ، كان الموجود فيهما هو اللون الأول والرائحة الأولى . وإن كانا قد انكسر المخالطة أجزاء عادمة اللون ولأجزاء متضادة ، ولم يكن للون الثاني أثر ، فإن هذا أيضاً يكسر كسر الشفاف المخالط للملوّن ، وكان ذلك الجسم يرى مثلًا أبيض . ويجوز أن تكون قوّته ليست قوة الأبيض بما هو أبيض ، بل هي قوة أخرى مقابلة للأولى ، فإنه إذا كان الجرم المخالط العديم اللون ، كما اْنه مساوٍ في الكمية مساوٍ في القوّة ، كانت القوّة الحاصلة قوّة بين القوتين معتدلة . وإن كان أقوى كثيراً من المتلوّن ، كان التأْثير للقوة المضادة لقوة الجرم المصاحب للبياض وكان البياض ، مثلًا يوجب أن يكون هو بارداً وهو حار بمرّة . هذا إذا كان متساويي الكمية ، وأما إذا كان مثلًا هذا الذي لا لون له أو له لون مضاد قليل الكمية بالقياس